من الإعلان السياسي إلى التعريف الهندسي الواقعي
تبدأ كثير من المشاريع في العراق من منطلقات سياسية واجتماعية قوية: ضغط جماهيري، ووعود انتخابية، وتخصيصات مالية مرتبطة بسنة معينة. تحت هذه الضغوط، تُعلن مشاريع كبيرة قبل أن تكتمل الإجابة عن أسئلة جوهرية: ما نطاق المشروع؟ ما أولوياته؟ ما قيوده؟ وكيف سيتكامل مع ما هو قائم؟
يشير خبراء إدارة المشاريع إلى أن غياب التخطيط العلمي المسبق هو أحد أبرز أسباب التلكؤ، إذ تُطلق مئات المشاريع دفعة واحدة دون دراسة كافية لقدرة المؤسسات على التحمل، فتتوقف مع تغير الإيرادات أو الأولويات.
في المشاريع الرأسمالية العالمية، يشدد القادة على بلوغ مستوى متقدم من تعريف المشروع (في التصميم والجدول والكلفة) قبل قرار الاستثمار الكامل. إسقاط ذلك على العراق يعني التعامل بجدية مع:
- تعقيد الموافقات بين الوزارات والمحافظات والبلديات.
- كثافة شبكات الخدمات القائمة في المدن والحقول النفطية.
- الظروف الأمنية واللوجستية في بعض المناطق.
- القدرة الفعلية للسوق المحلي على التنفيذ.
عندما تُستدعى خبرة مستقلة في هذه المرحلة، تتراجع احتمالات الوقوع في «وهم السيطرة»، حيث تبدو الجداول والكلف واقعية على الورق لكنها لا تصمد أمام الواقع.
التخطيط والتصميم في بيئة بنى تحتية مثقلة
تحمل البنية التحتية في العراق آثار عقود من الحروب والعقوبات ونقص الاستثمار، مع نمو سكاني ضاعف الضغط على الشبكات. هذا يجعل أي مشروع جديد أشبه بـ«جراحة دقيقة» في جسد هندسي مزدحم وغير موثّق بالكامل.
تؤكد التقارير أن الروتين الإداري وضعف الدراسات الأولية وتجاهل تعارضات الخدمات تؤدي إلى إعادة تصميم أثناء التنفيذ، وإيقاف الأعمال، وارتفاع الكلف مقارنة بالتقديرات الأولى.
في المقابل، تستثمر المشاريع الناجحة في المراحل المبكرة لعمل ما يلي:
- إجراء دراسات مرورية وهيدرولوجية وجيوتقنية مفصّلة.
- مسح شبكات الخدمات القائمة وتحديث المخططات بالتنسيق مع مالكيها.
- مراجعة قابلية التنفيذ ضمن القدرات المتاحة في الموقع والسوق.
الممارسات التعاقدية بين ضعف الحوكمة وضغط السرعة
تكاد الدراسات تتفق على أسباب متكررة للفشل: إحالة المشاريع إلى شركات غير متمكنة، وضعف المواصفات الفنية، وعقود مبهمة لا تتضمن بنوداً صارمة للجودة والوقت، وغياب الشفافية في المناقصات.
تؤكد الدروس العالمية أن قوة العقد تعني اختيار المتعاقدين عبر التأهيل بسجل الأداء لا بالسعر وحده، وصياغة شروط واضحة للجودة والوقت والسلامة مع آليات واقعية لمراقبة الالتزام.
الإشراف الحقلي والفجوة بين الورق والموقع
من النقاط المتكررة وجود فجوة بين «الإشراف الورقي» و«الإشراف الحقلي»، حيث تتركز الجهود على استكمال المستندات أكثر من الضبط اليومي للجودة وفحص التنفيذ.
يُنظر عالمياً إلى الإشراف الحقلي كعنصر قيادي: مهندسون ذوو صلاحيات فعلية في الموقع، وإشراف مرتبط بمنظومة فحوصات موثّقة، ونظم ضبط تقيس الإنجاز الحقيقي والجودة لا عدد الأنشطة فقط.
إدارة المخاطر في بيئة متقلّبة
تعمل المشاريع في العراق في بيئة متقلبة مالياً وأمنياً وإدارياً؛ أسعار النفط تتغير، والقرارات المالية تتأثر بالسياسة، والوضع الأمني قد يتبدل. ورغم امتلاك كثير من الجهات «سجلات مخاطر»، تبقى الممارسة شكلية غالباً.
تقوم إدارة المخاطر الفعّالة على مراجعة دورية للفرضيات مع تغير الظروف، وثقافة مصارحة بالمجهول، وتصميم بدائل وخطط طوارئ تسمح بتعديل النطاق أو الجدول مع الحفاظ على جوهر القيمة.
من إنجاز المشروع إلى أداء الأصل
التمييز بين «إكمال مشروع» و«تسليم أصل يعمل بكفاءة» ضروري. المباني التي تُسلّم بلا تجهيزات متكاملة، والطرق التي تفتقر لربط جيد، وشبكات الماء التي تعاني ضعف التشغيل، كلها أمثلة على مشاريع اكتملت شكلياً دون أن تتحول إلى أصول فعّالة.
تشير الخبرات العالمية إلى أن دمج التفكير التشغيلي والصيانوي منذ البداية يغيّر النتيجة جذرياً، بمشاركة فرق التشغيل في مراجعات التصميم وقياس النجاح بمؤشرات أداء الأصل لا بإنجاز الإنشاء وحده.
موقع الاستشارة الهندسية ضمن معادلة الإصلاح
لا تستطيع الاستشارات الهندسية وحدها معالجة كل أسباب التعثر؛ فالعوامل السياسية والحوكمة وضعف القدرات المؤسسية تحتاج إصلاحات أوسع. ومع ذلك، يبقى وجود رأي هندسي مستقل ومهني في المراحل الحرجة عاملاً مؤثراً في تغيير مسار كثير من المشاريع من الفشل إلى النجاح.
حين تُستخدم الاستشارة الهندسية أداةً لتحسين تعريف المشروع وتحدي الافتراضات وتطوير التصميم وصياغة العقود وتعزيز الإشراف وإدارة المخاطر، فإنها تساعد المالكين على التنقل في البيئة العراقية المعقدة بوعي وسيطرة أعلى. في بلد مثقل بالمشاريع المتلكئة، كل مشروع يُخطَّط له ويُدار بجدية علمية وشفافية يصبح مؤشراً على إمكانية تغيير الواقع الهندسي نحو مسار أكثر استدامة وكفاءة.
